ابو القاسم عبد الكريم القشيري

80

لطائف الإشارات

أنوار العقول نجوم وهي للشياطين رجوم ، وللعلوم « 1 » أقمار وهي أنوار واستبصار ، وللمعارف شموس ولها على أسرار العارفين طلوع ، كما قيل : إنّ شمس النهار تغرب بالليل * وشمس القلوب ليست تغيب وكما أن في السماء كوكبين شمسا وقمرا ؛ الشمس أبدا بضيائها ، والقمر في الزيادة والنقصان ؛ يستر بمحاقه ثم يكمل حتى يصير بدرا بنعت إشراقه ، ثم يأخذ في النقص إلى أن لا يبقى شئ منه لتمام امتحاقه ، ثم يعود جديدا ، وكل ليلة يجد مزيدا ، فإذا صار بدرا تماما ، لم يجد أكثر من ليلة لكماله مقاما ، ثم يأخذ في النقصان إلى أن يخفى شخصه ويتمّ نقصه . كذلك من النّاس من هو متردّد بين قبضه وبسطه ، وصحوه ومحوه ، وذهابه وإيابه ؛ لا فناء فيستريح ، ولا بقاء له دوام صحيح ، وقيل : كلّما قلت قد دنا حلّ قيدى * كبلّونى فأوثقوا المسمارا قوله جل ذكره : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 6 ] إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ( 6 ) اختصّ النهار بضيائه ، وانفرد الليل بظلمائه ، من غير استيجاب لذلك ، ومن غير استحقاق عقاب لهذا ، وفي هذا دليل على أنّ الردّ والقبول ، والمنع والوصول ، ليست معلولة بسبب ، ولا حاصلة بأمر مكتسب ؛ كلّا . . إنها إرادة ومشيئة ، وحكم وقضية . النهار وقت حضور أهل الغفلة في أوطان كسبهم ، ووقت أرباب القربة والوصلة لانفرادهم بشهود ربّهم ، قال قائلهم : هو الشمس ، إلا أنّ للشمس غيبة * وهذا الذي نعنيه ليس يغيب والليل لأحد شخصين : أمّا للمحبّ قوقت النّجوى ، وأمّا للعاصي فبثّ الشكوى .

--> ( 1 ) وردت ( العموم ) وهي خطأ في النسخ إذ المقصود نوع من المقابلة بين ( العلوم ) والمعارف .